مجمع البحوث الاسلامية
445
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وتعيينه ، والمتشابه : ما لا يعلم تعيين تأويله ، كأمر السّاعة ، وصغائر الذّنوب الّتي آيسنا اللّه من وقوع علمنا بها في الدّنيا ، وإنّ هذا الضّرب أيضا منها خارج عن حكم هذه الآية ، لأنّنا لا نصل إلى علم معنى المتشابه بردّه إلى المحكم . فلم يبق من الوجوه الّتى ذكرنا من أقسام المحكم والمتشابه ، ممّا يجب بناء أحدهما على الآخر وحمله على معناه ، إلّا الوجه الأخير الّذي قلنا ، وهو أن يكون المتشابه اللّفظ المحتمل للمعاني ، فيجب حمله على المحكم الّذي لا احتمال فيه ، ولا اشتراك في لفظه من نظائر ما قدّمنا في صدر الكتاب ، وبيّنّا أنّه ينقسم إلى وجهين من العقليّات والسّمعيّات . وليس يمتنع أن تكون الوجوه الّتى ذكرناها عن السّلف على اختلافها يتناولها الاسم على ما روي عنهم فيه لما بيّنّا من وجوهها ، ويكون الوجه الّذي يجب حمله على المحكم هو هذا الوجه الأخير ، لامتناع إمكان حمل سائر وجوه المتشابه على المحكم على ما تقدّم من بيانه . ثمّ يكون قوله تعالى : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ معناه تأويل جميع المتشابه حتّى لا يستوعب غيره علمها ، فنفى إحاطة علمنا بجميع معاني المتشابهات من الآيات ، ولم ينف بذلك أن نعلم نحن بعضها بإقامته لنا الدّلالة عليه ، كما قال تعالى : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ البقرة : 255 ، لأنّ في فحوى الآية ما قد دلّ على أنّا نعلم بعض المتشابه بردّه إلى المحكم ، وحمله على معناه على ما بيّنّا من ذلك ، ويستحيل أن تدلّ الآية على وجوب ردّه إلى المحكم ، وتدلّ أيضا على أنّا لا نصل إلى علمه ومعرفته فإذا ينبغي أن يكون قوله تعالى : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ غير ناف لوقوع العلم ببعض المتشابه فممّا لا يجوز وقوع العلم لنا به وقت السّاعة والذّنوب الصّغائر . ومن النّاس من يجوّز ورود لفظ مجمل في حكم يقتضي البيان ولا يبيّنه أبدا ، فيكون في حيّز المتشابه الّذي لا نصل إلى العلم به . ( 2 : 3 ) الماورديّ : إنّ المحكم : ما كانت معاني أحكامه معقولة ، والمتشابه : ما كانت معاني أحكامه غير معقولة ، كأعداد الصّلوات ، واختصاص الصّيام بشهر رمضان دون شعبان . وإنّما جعله محكما ومتشابها استدعاء للنّظر من غير اتّكال على الخبر ، وقد روي عن معاذ بن جبل عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال : « القرآن على ثلاثة أجزاء : حلال فاتّبعه ، وحرام فاجتنبه ، ومتشابه يشكل عليك ، فكله إلى عالمه » . ( 1 : 370 ) الطّوسيّ : فالمحكم : هو ما علم المراد بظاهره من غير قرينة تقترن إليه ، ولا دلالة تدلّ على المراد به لوضوحه ، نحو قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً يونس : 44 ، وقوله : لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ النّساء : 39 ، لأنّه لا يحتاج في معرفة المراد به إلى دليل . والمتشابه : ما لا يعلم المراد بظاهره حتّى يقترن به ما يدلّ على المراد منه ، نحو قوله : وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ الجاثية : 22 ، فإنّه يفارق قوله : وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ طه : 85 ، لأنّ إضلال السّامريّ قبيح ، وإضلال اللّه بمعنى